السبت، 15 أغسطس 2009

تسريب الملفات.. بين "السبق الصحفي" و"التوظيف الأمني"




Image
الصحف المستقلة تثير الجدل بالموضوعات الأمنية
في العادة كانت كلمة "الصحفي الأمنجي" ملازمة لبعض صحفيي الجرائد التي اشتهرت بتغلغل "الأمن" في هيكلها الإداري والوظيفي، ليصل تسلطه إلى الاختيار والتعيين والترقي بدءاً من السعاة الذين يجلسون على أبوابها، وحتى أعلى اسم في "ترويسة" الجريدة.

وكانت "الصحف المستقلة" بمثابة خط الدفاع الأخير مرة ضد التغلغل الأمني، ومرة باعتبارها منبرا مساندا وداعما للحركات الاحتجاجية، والنضالات السياسية والاجتماعية، والتي غُيبت عمداً على صفحات الجرائد القومية المصرية.

مؤخرًا تعالت الأصوات فيما يراه البعض أنه تحولات سلبية في بعض الصحف المستقلة، من بينها نشر التحقيقات والتقارير الأمنية باعتبارها حقيقة مطلقة، وعدم تدقيقها وأخذ وجهات النظر الأخرى حولها، وهو ما يثير تساؤلا حول مدى قدرة بعض الصحف المستقلة على الحفاظ على مهنيتها وحياديتها في مواجهة الضغوط الأمنية؟ وتساؤل آخر يتمثل في كيفية الحكم على ملف مسرب أمنيًّا بأنه "سبق صحفي"، ومتى يمكن اعتباره "استثمارا وتوظيفا أمنيا"؟.

المصري اليوم مثالاً

كانت أبرز الحوادث المثارة على الساحة الصحفية بهذا الشأن مؤخرًا هي المعركة التي تخوضها جريدة المصري اليوم بعد قيام اتحاد الأطباء العرب بتقديم شكوى رسمية ضدها للمجلس الأعلى للصحافة، لاتهامها بنشر أخبار وتقارير غير صحيحة عن اتحاد الأطباء العرب، وأمينه العام د. عبد المنعم أبو الفتوح تتعلق باتهامات لا تستند إلى أي دليل ولا تقوم على أي أساس، وفقاً لشكوى الاتحاد.

وتضمنت الشكوى المقدمة للمجلس الأعلى للصحافة أن الجريدة لم تحاول الاتصال بالاتحاد لمعرفة طبيعة الاتهامات التي طالت اسم الأمين العام، واكتفت بنقل ما تحويه مذكرات تحريات أمن الدولة، مجدي الجلاد رئيس تحرير "المصري اليوم" كتب مقالا دافع بشده عن مهنية جريدته الخاصة، وبرر نشره للتقارير والملفات المسربة.

نفس الأمر يمكن أن يقال عن الملف الذي تنشره جريدة المصري اليوم حاليا عن تحريات "خلية حزب الله" في مصر، حيث بدأ نشر الملف على حلقات من تاريخ 11/8/2009.

المستقلة بدل القومية

الكاتب الصحفي فهمي هويدي كان قد انتقد في مقالة له بعنوان "مراكز القوي تحييكم" بجريدة الشروق الجديد بتاريخ 26/7/2009 - التسربات الأمنية في تقارير الصحف المستقلة، معتبراً الاختراقات الأمنية لوسائل الإعلام قاعدة تحتمل استثناءات قليلة.

كان هويدي يرى في مقاله أن الأجهزة الأمنية أدركت أن الصحف القومية أصبح وجهها مكشوفًا عند نشر التسريبات الأمنية؛ الأمر الذي يقلل من صدقية ما تنشره؛ لذلك فإن الأجهزة الأمنية ركزت على اختراق الصحف "المستقلة"، التي تعطي لقرائها انطباعا بالحياد.

"هاني شكر الله"، عضو مجلس إدارة تحرير صحيفة "الشروق الجديد"، اعتبر العلاقة بين الصحفي والأمن مسألة شديدة التعقيد، تدخل في دائرة "المناطق الرمادية" والتي لن يقوم بالفصل فيها إلا الالتزام بأخلاقيات ومواثيق العمل الصحفي.

ورأى شكر الله أن الصحفي إن لم يكن وراءه مؤسسة صحفية قوية تدعمه فمن الممكن أن يقع تحت تأثير "رجل الأمن" الذي قد يضغط على الصحفي بتأثير النفوذ الأمني ويبقيه بهذا الضغط تحت دائرته، أو يغريه ببدل أو منح لينشر الصحفي ما يريده رجل الأمن.

أما عن الذي يحدد مهنية الصحفي في تعامله مع ملف مسرب أمنيا بحسب رأي الدكتور عزازي علي عزازي، رئيس تحرير جريدة "الكرامة"، فهو السياق الذي يُنشر من خلاله الملف المسرب أمنياً.

السياق يحدد

حيث اعتبر عزازي أن المشكلة ليست في النشر، وإنما المشكلة في الكيفية التي يتم بها نشر التقرير أو الوثيقة فهو يقول: "اختيار العناوين، وشكل المقدمة الخاصة بالتقرير، واللغة المكتوب بها التقرير، واستدعاء أقوال أخرى مع أو ضد التقرير هو الذي يحدد موقف الجريدة الأخلاقي والمهني".

وأشار عزازي إلى استفحال ظاهرة السيطرة الأمنية على المؤسسات الإدارية بالدولة، وارتباط الترقي في الهيكل الوظيفي أو الالتحاق بمؤسسة ما بدءاً من الجامعات والمؤسسات الصحفية والإعلامية وانتهاء بـفراشين وعمال المساجد.. بالتوصيات والتقارير الأمنية، واصفًاً المجتمع المصري بأنه تحول إلى "مجتمع أمني"؛ وبالتالي -والكلام لعزازي- يظل الصحفي الذي احتل مكانًا ما في مؤسسته برضا وبدفع أمني، مديناً بالفضل للمؤسسة التي ساعدته، ومستعداً أن يؤدي لها الخدمات على مدى حياته المهنية.

غير أن الرؤية لدى خالد البلشي رئيس تحرير جريدة "البديل" المتوقفة حاليا عن الصدور، تختلف قليلا، فهو يعتقد أن أغلب الوثائق التي تُسرب من الأمن هي في الأغلب مناورات أمنية يراد بها تحقيق غرض سياسي أو أمني ما، ويمكن الهروب من الفخ عن طريق نشر تعليقات وتفسيرات ونشرها بشكل مهني مع الوثيقة مثلها مثل أي وثيقة أخرى صادرة من أي جهة رسمية أو غير رسمية.

ويضيف البلشي قائلاً: "نشر الوثائق الأمنية كما هي على حالتها بدون التدقيق، والرجوع للمصادر، وبدون تعليل وتفسير واضحين؛ هو في الأغلب استغلال أمني للصحيفة لجعلها منبراً للدعاية والترويج لسياسته التي يقوم بها مثل التشنيع أو ضرب فصيل أو معارض سياسي".

وشكك البلشي في التقارير الصادرة عن المؤسسات الأمنية أغلبها مشكوك في صحتها، لخروجها من مؤسسات غير موثوق فيها، عكس أي تقارير تصدر عن مؤسسات أخرى معروفة باحترامها وسمعتها الجيدة، ودلل على تشككه بقوله: "أغلب التقارير والتحريات الأمنية بمجرد وصولها للنيابة، يحذف منها 90% على الأقل، وبالتالي تدخل في إطار الافتراضات المشكوك فيها على الأغلب".

"إبراهيم منصور" مدير تحرير جريدة الدستور اتفق مع البلشي، وهو يرى أن ما يسرب من أمن الدولة بالخصوص؛ هي ملفات مشكوك في صحتها، وفي الأغلب تقارير "مضروبة" لا يجوز نشرها إلا بعد أن يتم التحقق منها في النيابة والمحكمة حتى لا يؤدي نشرها بشكلها "الخام" –كما يقول- إلى تشويه سمعة فصيل سياسي، أو إنسان ما فقط لمجرد البحث عن سبق صحفي.

مثل أي مصدر

وحول الالتزام المهني دارت وجهة نظر "عاصم عبد المحسن"، رئيس التحرير السابق للنشرة العربية لوكالة رويترز للأنباء، والذي يرى أن الذي يحكم علاقة الصحفي بالمصدر سواء كان "رجل أمن" أو غيره، الالتزام المهني، وهو ما يضع الحد الفاصل بين الصحفي وبين أي مصدر كان.

وحذر عبد المحسن من التعامل مع الملف المسرب أمنيًّا؛ إذ يفضل معاملته على اعتباره "فرضية"، يجب التحقق منها وفقاً للمعطيات المهنية، فيتم الاتصال بأكثر من مصدر آخر، والاتصال أيضًا بالفرد الموجه له الاتهامات للتثبت والتحقق، ونشر ذلك مرفقاً مع التقرير مع ذكر إحداثيات وصول التقرير إلى الجريدة.

أما "نادية الجويلي" -مستشارة وصحفية بوكالة رويترز للأنباء- فأشارت إلى أن رجل الأمن مثله مثل أي مصدر تطبق عليه نفس القواعد التي تطبق على أي مصدر آخر، فيجب وفقًا للقواعد المهنية والأخلاقية عدم قبول أي هدايا من المصدر، وأهمية وجود مساحة ما بين الصحفي والمصدر الأمني حتى لا يقع الأول في تبعية الثاني، فينشر عندها أشياء تُملى عليه بدون التحقق من مصداقيتها، أو بدون سؤال الطرف الآخر وهو ما يدخل طبقاً لوصفها في دائرة "التشنيع والتشهير".

وأضافت الجويلي: "السبق الصحفي الذي تحصل عليه صحيفة بنشرها ملفا مسربا من الأمن، تكسب معه "خبطة صحفية"، لكن في المقابل تضيع معه مصداقيتها على المدى البعيد، وهو ملاحظ بشدة في عدم إقبال القارئ المصري على الجريدة الورقية، وفقدانه المصداقية في الصحف سواء القومية، أو حتى المستقلة".

في حين أكد صلاح عيسى رئيس تحرير جريدة "القاهرة" أنه لا مفر من وجود علاقة بين الصحفي ورجل الأمن، لمتابعة الجرائم الجنائية أو السياسية، لكنه يلفت النظر لأهمية أن يتم حصر تلك العلاقة على المستوى المهني فقط، وألا يتعدى ذلك المصلحة العامة إلى المصلحة الخاصة، وربط مراقبة هذا الأمر بالمؤسسة الإعلامية التي ينتمي إليها الصحفي.

ممنوع الاقتراب

أما عبد الحليم قنديل رئيس جريدة "صوت الأمة" السابق، فأشار إلى أن التدخل الأمني وصل في الجرائد القومية وبعض الجرائد المستقلة إلى أن صار مندوب الداخلية في الجريدة بمثابة "وزير داخلية أصغر" بالمؤسسة، وصار الضابط الأمني الذي كان صحفيًّا فيما مضى، بوقا إعلاميا للمؤسسة الأمنية التي يتبعها داخل الجريدة التي يعمل بها.

كما أشار قنديل إلى أن الملف المسرب من جهة أمنية؛ إما أن يُراد به توريط صحيفة مستقلة أو معارضة، أو يراد به نشر معلومة تُوظف أمنيًّا بشكل جيد عن طريق نشرها إعلاميًّا؛ ويتم من خلالها ضرب فصيل، أو معارض سياسي، أو فضح وزير حُرقت ورقته داخل النظام، أو تلميع شخص ما تدور حوله الشبهات.

خلال الحديث مع "قنديل" طرح قضية أخرى شديدة الأهمية لها علاقة بالصحافة والأمن تتعلق أساسا بـ"قانون تداول المعلومات" مطالبا بتشريع يحفظ حق الحصول على معلومات على اعتبار أن القواعد التشريعية لأي صحافة حرة تتمثل في أمور ثلاثة هي: حرية إصدار صحف، وقانون عقوبات خالٍ من الحبس للصحفيين، وقانون تداول معلومات، ودون ذلك ستبقى الصحافة المصرية "صحافة خوارج".

- رصد الإلتباس بين السبق الصحفي والتوظيف الأمني علي إسلام أون لاين .

ليست هناك تعليقات: