| |
تخرج "أحمد حسين" من جامعته حاصلا على بكالوريوس العلوم، وعمل بعدها في شركة توكيلات، والتي كان من ضمن مهام عمله فيها تقديم بعض الاستشارات الفنية لمصانع الزجاج والسيراميك، التي تستورد حاجياتها من الشركات التي كان يعمل في التوكيل الخاص بها في مصر. ترك له رئيسه عند بداية التحاقه بالعمل حرية البحث عن مصادر تصب في خبراته، وبعد البحث عرف أن -المركز القومي للبحوث بالقاهرة- يقوم بعقد دورات علمية في هذا المجال، وذهب للمركز للتسجيل بالدورة، لكنه فوجئ بإلغائها. وعند سؤاله فوجئ بأحد أساتذة المركز يقول له متهكما: "الدورة تُلغى كالمعتاد؛ لعدم حرص العاملين بالمصانع على حضورها؛ نظرا لعدم ثقتهم بالمادة المأخوذة في الدورة، بالإضافة للصلة المقطوعة بين المصانع والمركز القومي...". واستمر الدكتور في حديثه يقول: "الباحثون هنا لا يقومون بأبحاثهم لإضافة جديد للصناعة، بقدر الخوف من سياط الترقية". كل في وادٍ يقول المهندس هاني ونيس مدير الأبحاث والتطوير بمصنع سيراميك: "عندما يواجه المصنع مشكلة على خط الإنتاج، يتم الاتصال مباشرة بالشركة الأجنبية الموردة، وليس بالمراكز البحثية؛ لأننا عندما نذهب للمركز البحثي لكي نستشيرهم في مشكلة ما؛ نفاجأ أن الباحث لديه صعوبة ومشكلة في تصور خط الإنتاج، ولا يفهم التطورات المستمرة التي يتم إدخالها على الماكينة، أو مشاكل الصناعة التي لا يفهمها إلا المرتبطون بالصنعة". بينما يرى عثمان نعمة الله مدير مصنع سابق، أن المراكز البحثية تركز كل اهتماماتها في الإطار النظري، وأبحاثهم دائما تكون داخل معاملهم بدون التطرق بشكل حقيقي للمشاكل الفعلية بالمصانع. ومن وجهة نظر عثمان، فإن المشكلة لها بعد ثانٍ يتمثل في أن المراكز البحثية تعطي نسبة ضئيلة جدا من تكلفة الاستشارة للباحث، مما يجعل الباحث لا يهتم بالصناعة وأهلها ومشاكلها، فضلا عن أن تكلفة الاستشارة الخاصة بالمشكلة مرتفعة الثمن بشكل غير مبرر، وهو ما يحدو برجال الصناعة باللجوء مباشرة لطلب الحل من المورد الخارجي، ويضيف: "الأجنبي -دائما- عند رجال الصناعة موثوق به ومضمون". تجارب المصانع.. شغل عطارين وعن كيفية معالجة المشكلات البحثية بالمصانع يقول المهندس هاني ونيس: "إن مشكلاتنا نسعى لحلها بأنفسنا طبعا بتجارب غير منضبطة علميا، عن طريق المحاولة والخطأ، وفي النهاية يهمنا حل المشكلة وكفى". واعتبر ونيس أن أقسام البحوث والتطوير –إن وجدت أساسا بالمصانع- ليست للبحث والتطوير حقيقة؛ لأن مسماها الوظيفي يختلف تماما عما تقوم به، فدورها يقتصر فقط على تحليل عينات المنتجات المستوردة، واستبدال منتجات غالية بمنتجات أقل سعرا، والبحث عن تنوع في الموردين، وعلاقتها بالبحث العلمي معدومة. ويضيف قائلا: "حتى اختيار رئيس قسم البحوث والتطوير ليس قائما على اختيار مهندس أو كيميائي له قدرة على التطوير البحثي والعلمي المنضبط، وإنما على أساس اختيار مهندس له خبرة بالأقسام المختلفة بالمصنع وكفى، بل لا يوجد سوى أعداد نادرة من حملة الماجستير والدكتوراه، ولو وجدوا فهي في غير تخصصاتهم التي يعملون فيها بالمصنع". البحث العلمي والترس الغربي بينما يعتبر الدكتور عماد عويس أستاذ الحراريات بمركز بحوث وتطوير الفلزات أن هناك أزمة حقيقية بين البحث العلمي والصناعة، ورد المشكلة للمؤسسة البحثية، والمؤسسات الصناعية على السواء. ويقول في هذا الشأن: "الناس في البحث العلمي مش شغالين، دول شغالين في المنشور على النت، للأسف البحث العلمي في مصر متركب في الترس الغربي، ونقوم بنشر أعمالهم كأننا نحقق أهدافهم، ونروج لمشروعاتهم البحثية بفلوس الدولة بتاعتنا...!!". ويعيب عويس على المراكز البحثية بأنها غير مدركة للاحتياجات الوطنية، وغير مرتبطة أساسا بالواقع المحلي، ولا تقوم بعملية دراسة للسوق المصري كي تقوم بالعمل على أساسه، معتبرا أن "البحث العلمي في وادٍ، والصناعة في وادٍ آخر"، حسب تعبيره. ويستطرد الدكتور عويس قائلا: "إن رسائل الماجستير والدكتوراه غير واقعية، وملفقة، ولا يوجد فيها أي ملامسات مع الواقع، الباحث لا ينظر –للأسف- للمشكلة ويقوم بإيجاد حل لها، وإنما يهمه في النهاية تقديم عمل ورقي ينال عليه ترقية أو درجة بحثية". ومن وجهة نظر عويس، فإن رجال الصناعة ليس لديهم أي ثقة في المؤسسات البحثية العلمية، فضلا عن أن الصناعة المصرية لا تؤمن بعملية التطوير، ولا يوجد لديها خطط مستقبلية ورؤية إستراتيجية، وتخشى من التجريب ودفع المال في البحث العلمي وشعارها الدائم "اللي تعرفه أحسن من اللي ما تعرفوش". ويضيف عويس قائلا: إن سبب ضياع شركات الحراريات على سبيل المثال، أنها فقدت التطوير، واشتغلت في المنتجات التقليدية فهوت تحت زخم منتجات أوروبا والصين. ما الحل؟ يستصعب المهندس ونيس الحل؛ لأنه من وجهة نظره مرتبط بنظام مؤسسي بالكامل، ولتغييره لا بد من تغيير نظام دولة بأكملها (النظام التعليمي، والإداري، والسياسي..) ويستشهد بالمراكز البحثية الغربية، حيث إن معظمها -كما يقول- مراكز بحثية خاصة، تنفق على مشروعاتها بشكل جيد، وتسوقها، وتقوم ببيعها بتكلفة عالية. بينما يرى الدكتور عويس أن الحلول من الممكن أن تكون في ربط البحث العلمي باحتياجات السوق، وإنشاء وحدات بحثية حقيقية في المؤسسات الصناعية، كما هو المعهود في الغرب. وأخذنا هذا الكلام، وتوجهنا به للمركز القومي للبحوث، وتحديدا لمكتب رجال الأعمال والمستثمرين، وهو مكتب تم إنشاؤه كما يقول الدكتور فاروق الباز -مسئول المكتب- لربط المركز بقطاع الأعمال، وتقديم الاستشارات والحلول للمشاكل الفنية التي تواجه المؤسسات الصناعية. وعن المشاريع التي نفذها المركز من خلال المكتب مع المؤسسات الصناعية، يقول الباز: "هناك أمثلة عديدة أثبت المركز نجاحه فيها، على سبيل المثال مصانع "حديد عز" التي يتخلف عن عمليات إنتاجها مخلفات ضخمة، يواجهون بسببها مشاكل مع المنظمات البيئية، قمنا نحن بمعالجتها، وإنتاج كميات كبيرة من مواد ثانوية يحتاجها السوق يتم استيرادها بالفعل، وبالتالي تخلصنا من هذه المخلفات، وتم إعادة تدويرها". وأضاف الباز أن المكتب ابتدأ بعمل 20 عقدًا في أول عام 2002 إلى أن وصلت في 2008 إلى 120 عقدًا بين المركز القومي، وبين الهيئات الصناعية، ولتشجيع الباحث يأخذ أكثر من 72% من تكلفة المشروع والاستشارة الفنية التي يقدمها للمصنع. واعتبر الباز أن المركز القومي للبحوث أخذ خطوات جادة لربط البحث العلمي بالصناعة، حيث لا يسمح المركز -كما يقول- للباحث بالحصول على الدكتوراه، إلا عندما يرتبط بحثه بمشاكل الصناعة، ويقضي على الأقل أربعة أشهر في مصنع ينتج شيئا مرتبطا برسالته البحثية. |
الجمعة، 22 مايو 2009
البحث العلمي في مصر.. حبر على ورق
الأزمة المالية مكابح لقاطرة العمل الخيري

يتوقع البعض أن تصبح المؤسسات الإغاثية والخيرية ضحية أخرى من ضحايا الأزمة المالية وتداعياتها، مما يعني أن الأزمة لن تتوقف تداعياتها عند انهيار البورصات، وسقوط المؤسسات المالية، وركود الأسواق، بل ربما ستطول الأزمة منظمات العمل الخيري والإغاثي.
لكنه يري أن تداعيات الأزمة علي المؤسسات الخيرية والإغاثية، سيصعب تقييمها حالياً بسبب عدم وجود بيانات وأرقام يسهل حصرها .
اليهود العرب عزلة أم إنتماء
ناقش المؤتمر على مدى ثلاثة أيام خمسة وثلاثين بحثا تناولت بزوايا عدة الحياة العامة لليهود في مصر والوطن العربي. رأس المؤتمر الدكتور رءوف عباس أستاذ التاريخ ورئيس الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، وشارك فيه عدد من المفكرين وأساتذة التاريخ واللغة العبرية والمثقفين منهم: دكتور عبد الوهاب المسيري، عبد الله الأشعل، ودكتور محمد أبو الغار، محمد أبو غدير، محمد الهواري، أحمد بهاء الدين شعبان. الصهيونية واليهودية احتلت فكرة الصهيونية مكان الصدارة في محاولة للتفريق بينها وبين اليهودية الديانة، حيث أكد أحمد بهاء الدين شعبان في ورقته البحثية التي تحمل عنوان (يهود مصريون بين الوطنية والصهيونية) صعوبة اتهام اليهود جميعهم بالعمل تحت لواء المشروع الصهيوني، خصوصا أن هذه التهمة تشبه لحد كبير تهمة الإرهاب التي يصم بها الغرب المسلمين دون تفريق بينهم. وأشار بهاء الدين أنه يوجد بالفعل يهود أصحاب مشروع معاد للصهيونية أمثال يوسف درويش، وشحاتة هارون المعروف بنضاله الوطني، ومعاناته من أجل فقط أن يبقى على أرض مصر رافضا الهجرة لإسرائيل رغم كل ما تعرض له من ضغوط من قبل النظام الناصري... لكن هذه المقاومة كانت مقاومة محدودة للغاية بسبب أن الأغلبية اليهودية كانت مهيأة للانعزال الذي فرضه عليها المحتل، بالإضافة إلى أن المشروع الصهيوني ارتكز على مصر باعتبارها أقرب للأرض الموعودة، وتمتلك إمكانيات بشرية ومادية يهودية جيدة.. وقال إن الحفاظ على النسيج الوطني المصري بطوائفه لا يمنعه أن يقول إنه كان هناك نشاطا عارما للحركة الصهيونية وسط اليهود المصريين، فمؤسسة "الجماعة الصهيونية" في مصر نشأت على يد أحد أصدقاء هرتزل، ونشطت نشاطا عارما في القاهرة حتى قبل أن تتبلور الأفكار الرئيسية للصهيونية لدى هرتزل نفسه. الصهيونية فكرة طفيلية في حين قدم الدكتور عبد الوهاب المسيري تأريخا للدولة الصهيونية وعوامل قيامها، واصفا إياها بأنها دولة وظيفية تم غرسها لتؤدي غرضا ما، ثم ستنتهي مثل كل المجموعات الوظيفية والطفيلية التي مصيرها حتما إلى الفناء والانقراض. واعتبر المسيري في كلمته أن المجتمع الطفيلي الوظيفي له نفس المواصفات على مدار التاريخ، فهو مجتمع يشعر بالعزلة والغربة، مجتمع مستورد معدوم الهوية والانتماء، يشعر بالغربة وسط محيط يكرهه ويمقته، جاء ليقوم بمهمة ما وينتهي مثله مثل مجتمع المماليك داخل الدولة المصرية، الذين ما شعروا يوما بأنهم من الشعب المصري، يتكلمون الشركسية، يلبسون لبسا غير لبس المصريين، ولا يتزوجون من المصريات، تم استيرادهم فقط ليكونوا جيشا يدفع عن البلاد، وعندما فقدوا أهميتهم ووظيفتهم انتهوا واندثروا وتم نسيانهم.. وألمح المسيري إلى دور قوى الاستعمار الغربي في دعم الدولة الصهيونية حتى قبل قيامها، إذ نجحت في عزل الجماعات اليهودية في الدول العربية ثقافيا عن الثقافة العربية الإسلامية، وربطها بمصالحه الاقتصادية ورؤيته الثقافية، ومن ثم تحول أعضاؤها إلى مادة بشرية استيطانية لها قابلية عالية للهجرة، وهذا ما حدث بعد تأسيس إسرائيل إذ اختفى اليهود من البلاد العربية تقريبا. اليهود العرب وأضاف المسيري أنه "كان من أبرز المؤسسات اليهودية الغربية التي عملت داخل العالم العربي والإسلامي مؤسسة الأليانس ذات الاتجاه الصهيوني، فأسست الأليانس سلسلة من المدارس في كل أنحاء العالم العربي والإسلامي دخلها أبناء اليهود من كل الجماعات سواء المحلية أو الوافدة، ولم يتعلموا في هذه البلاد لغة بلادهم (العربية) وإنما تعلموا الفرنسية أساسا ولغات أوروبية أخرى، وهو ما أدى إلى صبغ اليهودية بصبغة فرنسية فاقعة، وإلى عزلهم عن بني أوطانهم وتهميشهم من الناحية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، لذا نجد أن مصير أعضاء الجماعات اليهودية ارتبط بمصير الاستعمار في المنطقة فتحسنت أحوالهم المادية وازدادت هامشيتهم البنيوية مع تزايد الهيمنة الاستعمارية والتغلغل الأجنبي". ورأى أن الأقلية اليهودية في العالم العربي مهيأة للعب دور "السنيد" للمشروع الغربي الاستعماري، وتم استغلالها إما من الحركة الصهيونية، أو من القوى الاستعمارية حينها كبريطانيا وفرنسا. صحافة اليهود
فيما قدمت الدكتورة سهام نصار رئيس قسم الإعلام بالجامعة الحديثة دراسة بعنوان "صحافة اليهود في مصر بين ادعاء الانتماء وتكريس العزلة"، أشارت فيها إلى أن علاقة اليهود بالصحافة المصرية بدأت مبكرا حينما أصدر "يعقوب صنوع" صحيفتين أحدهما باللغة الفرنسية، والأخرى جريدة هزلية وهي المعروفة باسم "أبو نضارة"، وقد تنوعت أهداف اليهود من وراء إصدار هذه الصحف ما بين صحف صدرت مدعومة من بريطانيا أو فرنسا كصحيفة "الحقيقة" التي صدرت عام 1889م، كما سعى بعض اليهود في الوقت نفسه لإصدار بعض الصحف لكسب ثقة الحركة الوطنية حينها، فقد أصدر ليون كاسترو رئيس فرع المنظمة الصهيونية العالمية في مصر جريدة حملت اسم "الحرية" في عام 1921 باللغة الفرنسية، صدرت لتكون ناطقة بلسان حزب الوفد في أوساط الأجانب في مصر وفي أوروبا، ولخلق رابطة بين الحركة الوطنية في مصر والحركة الصهيونية باعتبارها حركة وطنية تحارب عدوا مشتركا هو بريطانيا. كما صدرت بعض الصحف فقط لدعم المشروع الصهيوني ولتكوين أرضية جيدة له داخل الطائفة اليهودية، وكان بعضها يتبنى المشروع القومي اليهودي حتى قبل مولد الحركة الصهيونية رسميا في بازل عام 1897، ومن أهم تلك الصحف صحيفة "نهضة إسرائيل" التي صدرت عام 1890، و"الرسول الصهيوني" عام 1902، و"مصرايم" عام 1904، وبعدها توالى العديد من الصحف الصهيونية: "الشمس" و"المجلة الصهيونية" و"الفجر" و"كاديما" و"هاتكفا" و"الصوت اليهودي" و"المنبر اليهودي".. وغيرها. وأشارت نصار إلى أن الصحف الأخيرة اهتمت بالدعوة إلى إصلاح أوضاع الطوائف اليهودية في مصر والشرق حتى تكون قادرة على القيام بمسئوليتها تجاه الوطن القومي اليهودي في فلسطين، وقامت تلك الصحف بنشر الوعي بالفكرة الصهيونية، والدعوة إلى الهجرة إلى فلسطين، كما ساهمت بشكل كبير في الدعوة إلى جمع التبرعات للصناديق اليهودية المختلفة، وسعت إلى تحقيق التفاهم والتعاون بين العرب واليهود لمنع معارضتهم للمشروع الصهيوني. اقتصاد اليهود في حين ألقت الباحثة مني محمود منازع في ورقتها البحثية الضوء على البعد الاقتصادي لتواجد اليهود في مصر والتي حملت عنوان "اليهود والاستثمارات الأجنبية في مصر"، مشيرة إلى أنه في الوقت الذي تعرض فيه يهود أوروبا لمضايقات واضطهادات خلال القرن التاسع عشر كانت المجتمعات العربية تعطي الفرصة كاملة أمام الطوائف اليهودية للعيش مثلها مثل مسلمي ومسيحيي هذه البلدان، بل ربما -وهو الأغلب- أن أغلبية السكان اشتاقوا أن يحصلوا على ربع الميزات التي تمتعت بها الطائفة اليهودية التي وصلت لدرجة أنهم كانوا مواطنين من النخبة خصوصا الثقافية والاقتصادية يكفي الذكر مثلا أن اليهود قبل ثورة 52 كانوا يملكون 103 شركات من إجمالي 308 شركات مسجلة في مصر. وأكدت الباحثة أن العائلات اليهودية قطاوي وسوارس ومنسي وموصيري في مصر على سبيل المثال كانت الركيزة الأهم في ميدان النشاط الاقتصادي، فتولوا إنشاء البنوك وشركات الأوراق المالية والاتجار في العقارات والأراضي الزراعية وامتلاكها وتمويل المشروعات الصناعية والتجارية، وعلى هذا فقد لعبت العائلات اليهودية -من وجهة نظر الباحثة- دور الوسيط لرأس المال الأوروبي في المجتمع المصري أي دور الجماعة الوظيفية المرتبطة بالاستعمار الأجنبي؛ ولهذا فمع تزايد القوى الوطنية ونشاطها في القطاع الاقتصادي تراجع نشاط الجاليات الأجنبية بما في ذلك نشاط العائلات اليهودية جاء ذلك مع إلغاء الامتيازات الأجنبية وصدور قوانين التمصير 1947، ثم قيام ثورة 52 بتوجهاتها الاقتصادية القومية التي تبلورت بشكل واضح في قرارات التأميم التي كانت موجهه ضد الممولين الأجانب والمصريين الذين كانت تري الثورة أن نشاطهم يربط الاقتصاد المصري بعجلة الاستثمار الأجنبي ، ويعوق عمليات التنمية من خلال الدولة. وأوضحت الباحثة أن ذلك كان السبب في هجرة أغلب أفراد العائلات اليهودية عام 1957 إلي أوروبا وليس إسرائيل بعدما شعروا بتضاؤل الأرباح و انكماش المناخ الاستثماري في مصر. |
مجتمع الرواحل
ورُبَّ دعوةٍ قطعت آلاف الأميال بمئات الدنانير خير من دعوة خاملة يحملها بعض العجزى والكسالى؛ يقول محمد أحمد الراشد في رائعته "صناعة الحياة" :"المال ينفق، ورنة الذهب قرينة هدير الواعظ من على منبر، أو هتاف المتحمس في حفلته وشارعه".
نجيب الكيلاني.. رائد الأدب الإسلامي تنظيرًا وإبداعًا
أ.د/ جابر قميحة
أحمد عبد الحميد
يصعب أن نصف الدكتور نجيب الكيلاني بأنه الشاعر الإسلامي أو رائد القصة الإسلامية أو منظِّر الأدب الإسلامي، فإطلاق هذه الأوصاف عليه كل واحدة منها فقط منفصلة عن الأخرى بخسٌ لحقِّه، فهو الشاعر صاحب التسعة دواوين "الأمل الطريد" و"نحو العلا" و"لؤلؤة الخليج" و"كيف ألقاك؟" و"نصر الشهداء" و"مهاجر" و"أغنيات الغرباء" و"مدينة الكبائر" و"أغنيات الليل الطويل"، وهو الروائي الذي قدَّم للمكتبة العربية والإسلامية مجموعةً ضخمةً من الروايات والقصص القصيرة وفق التصور الإسلامي.
وهو" منظِّر الأدب الإسلامي" كما قال عنه الأديب نجيب محفوظ، الذي ينطلق من رؤية إسلامية ليعبِّر بالوسيلة الفنية الإبداعية عن قيم ومثاليات دينه ومعتقده، وهو المعبِّر عن هموم عامة، فخرج عن الإقليمية ليطرحَ قضايا تهمُّ الأمة الإسلامية متناولاً في ذلك أزمات وجروح شتَّى في جسد العالم الإسلامي، فطرح في ذلك "عمر يظهر في القدس" و"ليالي تركستان" و"حبيبتي سراييفو"، ولنجيب الكيلاني قصبُ السبق في ذلك على سائر الأدباء الإسلاميين.. فهو إذن رائد الأدب الإسلامي، ورغم ذلك لم يحظَ بالشهرةِ الوافية التي نالها أدباء أقل منه قدرًا ومكانةً.
والمرء في بلادنا عندما يدخل عالم الأدب في بداية العهد بالقراءة لا يطرق أسماعَه إلا أسماء كنجيب محفوظ والسباعي ويوسف إدريس وغيرهم، ولكنه لا يسمع باسم نجيب الكيلاني إلا بعد عهدٍ، رغم كثرة أعماله، فهو يأتي في المرتبة الأولى من حيث الكمّ قبل كثيرين.. هل تمَّ تهميش نجيب الكيلاني من جانب الآلة الإعلامية، التي أرادت وأْدَ كلِّ مَن يحمل الفكرة الإسلامية أم كان لأسباب أخرى؟! وما المقصود بالأدب الإسلامي وارتباط الفكرة الإسلامية بأدبيات نجيب الكيلاني؟!
الدكتور جابر قميحة- أستاذ الأدب العربي وصاحب الكثير من الدراسات في أدب الكيلاني- يرى أن "مشكلة الدكتور نجيب أنه لم يتم تسليط الضوء عليه إعلاميًّا لما هو معروف عنه من توجُّهه الإسلامي، ثم المشكله الثانية وهي الأهم مشكلة التفريط من جانب محبِّيه وإخوانه الذين لم يعطوه من الجانب الدعائي ما يستحقه, وأستطيع أن أقول إن مشكلة الأدب الإسلامي بصفة عامة هي مشكلة إعلامية في المرتبة الأولى!! ويضيف أن هناك من الأدباء أقلّ مستوى من طلابي في الجامعة من الناحية الفكرية والأدبية والإبداعية، ومع ذلك يجدون مَن يطبِّل لهم ويزمِّر!!
أما نجيب الكيلاني فلأنه أديب إسلامي لم يجد اهتمامًا من الدولة وإعلامها وإخوانه وتلاميذه يتولَّون كبْرَ هذا التفريط، ومما يؤسَف له أنهم لم يستطيعوا أن يحافظوا على تراثه حتى يخلَّد على مدى الأجيال، والسائل إذا سأل عن تراث نجيب الكيلاني لم يجد الجواب الشافي، وأجد في ذلك من ناحية أخرى أن أقول إن هناك ضعفًا في الوعي بالنظر إلى تراث الكيلاني.
عدنا إلى مفهوم الأدب الإسلامي، فأوضح الدكتور قميحة أنه الأدب الشعري والنثري الذي يلتزم القيم الإنسانية ويعمل على خلق بناء قويٍّ متين يُراعي هذه القيم في مجال السياسة والاجتماع والتربية وغير ذلك، وهذا تعريف إيجابي، وهناك ما نستطيع أن نسميه بالتعريف السلبي أو" التعريف الرافض" والمقصود به الأدب الذي يرفض في قوة كلَّ ما يخالف القيم الإسلامية والإنسانية.
* وعندما سألناه: ما الذي يميِّز أدب نجيب الكيلاني من الناحية الفنية عن غيره من معاصريه؟!
** أجاب: أدب نجيب الكيلاني- دون مغالاةٍ- أدبٌ متميزٌ من ناحية، وفائقٌ من ناحية أخرى، فهو يتميز بالآتي:
- سلامة اللغة، وهي مهمة؛ لأن اللغة هي عِرْض الأمة الدالّ على هويتها، ولا هوية لمن لا عرض له.
- براعة التصوير، وهو في منهجه التصويري يكاد يقترب من الواقع فهو في تصويره لا يجنح إلى الصور الشاردة والخيال المسرف المحلق بلا معقولية، أي نستطيع أن نقول إن منهجَه التصويري هو المنهج الوسطي بين المثالية الخيالية والرومانسية العقلانية.
- قوة الوجدان أو الطاقه الروحية، وهو مع ذلك يجنح إلى الوسطية، فلا نعثُر له على عاطفة ملتهبة ووجدان متوهِّج، ولكنها كما قلت سابقًا الوسطية والمعقولية، وهو منهج لا يعيب صاحبه، بل يقف في صفِّه؛ لأن المهم أن يكون المبدع مخلصًا في منهجه ولمنهجه، بعيدًا عن الشطط والإسراف.
- التماسك والتلاحم في صدقٍ بين عناصر الإبداع الفني مما يقرِّب إبداعَه من المنهج التكاملي في الفن.
- قوة العقيدة، وهذا ما تعنيه بسؤالك عن تأثير الفكرة الإسلامية على أدبه، فكان هذا هو الجانب الذي ينهل منه أي من عقيدته ودينه؛ ليصبَّ في النهاية في أدبه ويجعله على رأس قائمة الأدباء الإسلاميين.
المنظِّر الإسلامي
* وماذا عن نجيب الكيلاني المنظِّر الإسلامي؟
** علينا أن نتذكَّر أن الكيلاني جمع بين التنظير والتطبيق، فله الإسلامية قياسًا على المذاهب الفنية الأخرى، مثل الكلاسيكية والرومانسية، فله من رواياته ونظرياته خمسة كتب كاملة عن مفهوم الأدب الإسلامي فله "المدخل إلى الأدب الإسلامي" و"الإسلامية والمذاهب الأدبية" وغيرهما، وفيها يوضح علاقة الأدب بالدين، ومفهوم الالتزام الإسلامي والمقارنة بين المذهب الإسلامي وغيره.
والخلاصة أن أيسَرَ ما يُقال عنه إنه كان واحدًا من أعظم الروَّاد في الإبداع والنقد الإسلامي دون إسراف أو إغراق في المبالغة.
* ماذا لو أجرينا مقارنة بين نجيب الكيلاني الشاعر والأديب في الوقت نفسه؟
** نجيب الكيلاني رغم أن له تسعة دواوين ممتازة إلا أن نجيب الكيلاني من الناحية الشعرية يأتي في المرتبة الثانية بعد نجيب الكيلاني الكاتب بصفة عامة والروائي بصفة خاصة.
* وهل هناك دراسات أدبية تُلقِي الضوءَ علي الكيلاني الروائي والشاعر؟!
** بالنسبة للدكتور نجيب الكيلاني هناك دراساتٌ أدبيةٌ معقولةٌ إلى حدٍّ كبيرٍ، هناك على سبيل المثال لا الحصر رسالتان أكاديميتان نُوقشتا مؤخرًا، وهما: "الريف في روايات نجيب الكيلاني" و"المرأة في روايات نجيب الكيلاني" كما أن هناك رسالة ماجستير نُوقِشَت في كلية اللغة العربية عن "الرواية التاريخية عند نجيب الكيلاني"، وفي رأيي الخاص أن الدراسات الأدبية الكافية وعدم الكافية هي مسألة نسبية بالنسبة للشخصيات الأدبية.
* ألا ترى أن البَون ما زال شاسعًا بين أدباء يعبرون عن الفكرة الإسلامية عامةً وأدباء آخرين يعبِّرون عن فكرة مختلفة أخرى مغايرة، كالأدباء اليساريين أو المحسوبين على اليسار، فمنذ أواخر الخمسينيات وابتداء الستينيات وحتى الآن الصحف والمجلات والدوريات الثقافية المختلفة ووزراة الثقافة.. إلخ يسيطر عليها وبقوة مثقفون من ألوان الطيف المختلفة، فأين الأدباء الإسلاميون؟!
** هناك عدة أسباب لانضواء أو بالأصحِّ عدم بروز الأدباء الإسلاميين أمام قرنائهم من اليسار على سبيل المثال، فأُولى هذه الأسباب: مناوأة الدولة للحركة الإسلامية وكل ما يمتُّ للإسلامية بصلة، ومن ثمَّ إقصاء الأدباء الإسلاميين وتنحيتهم من على الساحة لحساب آخرين معبِّرين بشكل ما عن توجُّه الدولة في وقتٍ ما، كازدهار الأفكار الاشتراكية في العهد الناصري مثلاً، وإقصاء أدباء كـ:عبد الحميد جودة السحار وعلي أحمد باكثير ونجيب الكيلاني وهاشم الرفاعي.. إلخ؛ لتوجه الآخرين الإسلامي!!
ثانيها عدم اهتمام الحركة الإسلامية بكافة أطيافها بالجانب الأدبي، وعدم وضعه في بؤرة الاهتمام لشَغْلِها بالجانب العقلاني والفكر الإسلامي والاتجاه الدعوي على حساب الأدبيات والفنيات، مع أن الأخيرة مهمّة جدًّا في التأثير الدعوي فالنبي- صلي الله عليه وسلم- يقول: "إن من البيان لسحرًا، وإن من الشعر لحكمةً"، فالنبي ذكَر هنا مقوِّمات الأدب التعبيري وعناصره وهي:
"الوجدان- الأداء التعبيري الجمالي- الفكرة"، فتضمين الأدب الفكرة، سواءٌ كانت الفكرة الإسلامية أو غيرها هي الوسيلة المُثلى لتوصيلها إلى الجمهور، وأضرِب على ذلك المثال الشاعر الروسي "باسترناك" في رواياته في مواجهة اليسارية والتي كان لها أبلغ الأثر من أي أفكار أخرى يمينيةتقسيم المنطقة إلى دويلات وكانتونات
| ||||||
| ||||||
| حوار: أحمد عبد الحميد - فلسطين هي رأس الحربة في مواجهة المشروع الصهيوأمريكي بل ما نتئت الجراحات في المنطقة إلا عندما تم وضع اليد على فلسطين. - لا تستطيع أمريكا أن تشعل الحرب في إيران وسوريا بسبب التعثر التي تعانيه في العراق. - أعول على الشعوب في المقاومة فالأنظمة لم ولن تصنع ممانعة أو تغييرا. - سقوط العراق اليوم سيتوالى من بعده سقوط نظام عربي آخر وهكذا, وبعدها يصبح حال الأنظمة العربية كقولة القائل "لقد أكلت يوم أكل الثور الأبيض". - لا يستطيع أن ينكر أحد أن المقاومة المشروعة صاحبة الحق والأرض وميزان الغلبة دائما في جانبها. هذه أبرز النقاط التي تحدث عنها الداعية والمفكر الإسلامي الشيخ جمال عبدالهادي أستاذ التاريخ الإسلامي في مقابلة خاصة مع (رسالة الإسلام) أوضح أن العدوان الذي تتعرض له الأمة الإسلامية والحديث عن تقسيم العراق هو الهدف من المشروع الصهيوني الأمريكي لتمزيق العالم الإسلامي، كما أكد على أن السبيل الوحيد لدفع هذا العدوان هو المقاومة بكافة صورها... - لماذا التركيز دائما على القضية الفلسطينية, رغم الأزمات والقضايا الإسلامية الأخرى (العراق- الصومال- الشيشان- أفغانستان- إقليم أوجادين- منطقة سينكيانج...وغيرها) بل حتى القضايا الإنسانية فلم يُسمع لدولة عربية أو إسلامية صوت في مذابح رواندا وبورندي على سبيل المثال؟ القضية الفلسطينية هي قضية العالم الإسلامي المحورية, وفلسطين هي رأس الحربة في مواجهة المشروع الصهيو أمريكي بل ما نتئت الجراحات في المنطقة إلا عندما تم وضع اليد على فلسطين, فضلا عن أنها الأرض المقدسة الحرام التي بارك الله فيها والتي بتحريرها وبكسر العدوان الصهيوني عليها سيتم كسر الحملة الصهيوأمريكية, وكان المدرك الأول لهذا المقاومة الإسلامية في حماس، التي وضعت في ميثاقها أنها ستعمل على وأد المشروع الصهيوني في فلسطين حتى لا يتمدد جسده في بقية أنحاء العالم الإسلامي, وهذا وعي مبكر موجود لدى الحركة الإسلامية في فلسطين، خلاف من تقوقعوا في مشاكلهم وصموا الأذان عما يجري حولهم. - بعض الكتاب والمثقفين ومنهم إسلاميون لا يعترفون بوجود مقاومة في العراق, ويبررون بأن من سقط من الشعب العراقي في المواجهات الطائفية عشرات أضعاف من سقطوا بأيدي الاحتلال؟ من يتكلم عن المقاومة العراقية ليس موجودا في أرض المعركة وما يقوله هو مجرد تخمينات, وأقل رد على ذلك أن الاحتلال الأمريكي تمت إعاقته بالكامل في المستنقع العراقي, ولا تستطيع أمريكا أن تشعل الحرب في إيران وسوريا بسبب التعثر التي تعانيه في العراق. المقاومة ليست وحدها على الأرض العراقية فهناك الفصائل السنية المختلفة, والفصائل الشيعية, وميلشيات حزب البعث, والمخابرات الأمريكية والمخابرات الصهيونية ودورهما معروف في إيقاظ الفتنة بين السنة والشيعة والقيام بعمليات تفجيرية في مساجد السنة والشيعة يتولد عنها معارك طائفية يسقط فيها من العراقيين السنة والشيعة أضعاف من يسقط بأيدي الاحتلال, وإسرائيل لها دور معروف مساند للمشروع الأمريكي في تمزيق العراق, وبعدها تمزيق العالم العربي إلى كنتونات طائفية بحيث تصبح إسرائيل وحدها السيد في المنطقة. نحسب أن من يؤمن بالدين الإسلامي الحنيف ويؤمن بتعاليمه ويعتقد في وصايا الرسول عليه الصلاة السلام "لا تغدروا ولا تقتلوا وليداً ولا امرأة ولا كبيراً ولا منعزلاً بصومعة ولا تعقروا نخلاً ولا تقطعوا شجراً ولا تهدموا بناءَ" لا يمكن أن يفجر مسجدا، أو يقتل طفلا، أو امرأة. - هل نجحت المقاومة حتى الآن في عرقلة المشروع الصهيوالأمريكي؟ أستطيع أن أقول إنه لولا المقاومة في العراق وفلسطين وأفغانستان لما استطعنا أن ننام، ولولا تلك المقاومة لوقعنا تحت سنابك خيول العدو دون أن نطلق طلقة واحدة، ولكنا عبيدًا في سلاسل وسجون الاحتلال وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله "إنما تنصرون بضعفائكم". والمشروع الصهيوأمريكي لم يتوقف تمامًا بل هو محجم، فهو يفتح كل يوم جبهات جديدة لكنه محجم بفضل المقاومة، أسأل الله أن يحفظ المقاومة حتى لو قصرنا نحن، فأخشى أن تجري علينا سنة الاستبدال ونصبح في مزبلة التاريخ "... وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ". ولكن مع ضعفنا فلن يترك رب العالمين الباطل يعربد شرقًا وغربًا، فقد قدم لنا رب العالمين حال أمم بغت وتجبرت "فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ", وكل ما يحدث هو بلاءات وفتن يتم بها تنقية الصف والتمييز بين المنافقين وأهل الباطل: {وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء}. لكن تظل مشكلة العالم العربي أن كل نظام بالمنطقة متقوقع على نفسه يخاف من دعم المقاومة, ولا يؤمن أن ما تفعله المقاومة في العراق حيث المشرق العربي, يحافظ على أقصى نقطة في المغرب العربي, وأن سقوط العراق اليوم سيتوالي من بعده سقوط نظام عربي آخر وهكذا, وبعد ذلك يصبح حال الأنظمة العربية كقولة القائل "لقد أكلت يوم أكل الثور الأبيض". مشكلة الوطن العربي والإسلامي أن العدو قد أعلن عن مخططه منذ زمن بعيد, ولكن ما زلنا نغط في سبات عميق, وما زلنا نصر على أن تكون خطواتنا هي ردود أفعال لمخططات العدو..!!! في عام 1982 نشر المفكر والفيلسوف رجاء جارودي تقريرا تكلم فيه عن "المنظمة الصهيونية العالمية" التي عقدت مؤتمرا في القدس عام 82 التي أعلنت حينها عن خطط لتمزيق العراق وسوريا ولبنان وشبه القارة الهندية, ونشرت هذَا التقرير دار الشروق ودار الغد العربي. وتكلم أيضا جارودي عن المخططات الصهيونية في كتابه "الأساطير المؤسسة للدولة الصهيونية", وتكلم فيها أيضا الدكتور حامد ربيع وجمال حمدان, وفوزي محمد طايل في كتابه "كيف نفكر استراتيجيا". في عام 1985، قامت هوليوود بعرض فيلم يحمل اسم "الدفاع الأفضل" تكلم الفيلم عن غزو صدام حسين للكويت, وبعدها تستعين الكويت بالولايات المتحده فتندلع الحرب العالمية الثالثة. - هل يغفل القادة العرب عن المشروع الصهيوني في العراق, خصوصا التوغل الإسرائيلي في كردستان العراق؟ الأمور واضحة وضوح الشمس في العراق ومشروع تمزيق الدولة إلي ثلاث دويلات سنية، وشيعية, وكردية كاد أن يصل لنهايته وإن كانت الأمور لم تحسم بشكل فعلى نتيجة أن الكتلة السنية واقفة أمام هذا المشروع, لكن رغم ذلك فالغفلة تزداد داخل الأنظمة العربية بشكل غريب {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ} وأعول على الشعوب في المقاومة فالأنظمة لم ولن تصنع ممانعة أو تغييرا! بذكر الملف الكردي ينادي البعض بأنه من حق الأكراد مثلهم مثل أي شعب في العالم, أن يكون له وطن يعيش فيه، فما فُعل في الشعب الشعب الكردي من تمزيق بين الدول المجاورة كان من مخطط الاستعمار قديما، فما المانع أن يرجع إليه حقه اليوم؟ المنطقة الكردية للأسف مزقت من قبل الاستعمار بين عدة دول بالمنطقة لمنع قيام دولة سنية قوية في الشرق الأوسط, وكان التقسيم مبكرا لتوفر الجهود التي تقوم بها القوى الاستعمارية في التمزيق الذي تحدثه في المنطقة الآن. ورأيي أنه لو سمحت لهم الدول التي يوجد على أرضها أكراد وهي العراق وسوريا وإيران وتركيا عندها سيلتئم شمل الأكراد وتتكون دولة قوية تصبح سندا للمنطقة والعالم الإسلامي, لكن لا أظن أن مشروع سايكس- بيكو الجديد الذي يقوده المشروع الصهيوأمريكي سيسمح بذلك. - في تقرير للنادي العلمي للمعلومات ذكر أن: التفوق النسبي لإسرائيل على العرب في مجال النشر العلمي – مقارنة بعدد السكان- بلغ سبعين ضعفا! وأن إنفاق الدول العربية على البحث العلمي أقل بعشر مرات على الأقل عن المعدل الإسرائيلي! فضلا عن رؤوس نووية بالمئات لدي الكيان الصهيوني... وغيرها كل ذلك غيض من فيض بمقارنة الدول العربية بالكيان الصهيوني, ألا تري معي بعدها يا فضيلة الدكتور أن الكلام عن سقوط المشروع الصهيوني هو كلام بعيد عن الواقع؟ التدافع بين الحق والباطل سنة كونية لا جدال فيها ودائما في النهاية يغلب الحق ويصبح بعدها النصر والعاقبة للمتقين, والذي يحسم في النهاية هي "قضية الإيمان". التاريخ يقول هذَه حقيقة لا مراء فيها, يقول تعالي: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ}, وقال أيضا: {وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}, والأمة تعاني نعم من التخلف والانحطاط العلمي والاقتصادي، ويوجد خلل في توازن القوى بين "إسرائيل" والعرب, لكن لا يستطيع أن ينكر أحد أن المقاومة المشروعة صاحبة الحق والأرض ميزان الغلبة دائما في جانبها, التاريخ يشهد للمقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي, وللأفغان ضد السوفييت, ولفيتنام ضد أمريكا, والحرب اللبنانية الأخيرة ضد العدو الصهيوني, كل تلك الحروب استخدم فيها المحتل الأسلحة الحديثة والمحرمة دوليا لكن لم يستطع أن يحسم المعركة, في النهاية العنصر البشري هو الوحيد القادر على حسم المعركة. - رأينا بعض الجماعات اليهودية كجماعة "ناطوري كارتا" تساند الكفاح الفلسطيني بأشكاله السلمية أو القتالية،, و كانت من الأوائل الذين هنؤوا حكومة حماس بوصولها إلى سدة الحكم، وتدعو اليوم إلى معاقبة إسرائيل على جرائمها بسحب الاعتراف بها ككيان صهيوني.. برأيك يا دكتور هل للصهاينة مشروعهم بخلاف المشروع اليهودي؟ لا يصح بالطبع قتال اليهود كجنس أو كأتباع دين, وإنما يُقاتل من احتل الأرض, وسفك الدماء, وقتل الرجال والنساء والأطفال وحاصر وجوع ومن يقوم بهذا هم أصحاب المشروع الصهيوني الذين لا يهمهم الدين من قريب أومن بعيد بل الدين يستخدم كغطاء أيديولوجي دافع للم شمل اليهود في فلسطين, والحركة الإسلامية في فلسطين من ناحيتها تذكر في ميثاقها أنها لا تقتل اليهود، ولا النساء, ولا الأطفال, وإن كان هناك ملحوظة أن الكونجرس الأمريكي وافق مؤخرا على أن يصبح لليهود دولتهم اليهودية على أرض فلسطين, ومن ثم التخوف سيكون من عملية الترانفسير التي سيقوم بها الكيان الصهيوني لغير اليهود في الكيان الصهيوني حتى عرب 48. - المقاومة في خيار العمل السياسي بين: الانسحاب من معتركه, وترك الساحة بعدها لحكومة أو سلطة تقمع لها صوتها وتصادر العمل المقاوم, أو التصدي للعمل السياسي الذي قد يأخذ المقاومة قليلا أو كثيرا عن مسارها؟ الدكتور حامد ربيع ذكر أنه لابد للعمل المقاوم من مسارين؛ مسار العمل المقاوم والمسار السياسي ولكن تحت سلطة واحدة, وقيادة واحدة تحت ثوابت معينة لا تتخطاها السلطة ومن أهمها عدم الاعتراف بالكيان الصهيوني, وعدم التنازل عن القدس كعاصمة للدولة الفلسطينية, ولا تنازل عن حق العودة وبالمجمل كل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني, وللأسف السلطة الفلسطينية بقيادة فتح هي من ضربت بالثوابت عرض الحائط, واعترفت بالكيان الصهيوني طبقا لاتفاقية غزة-أريحا, وسلمت بعدها للعدو الصهيوني قائمة بأسماء أفراد المقاومة, والاغتيالات التي حدثت بعدها لرموز المقاومة كان بمساعدة المعلومات التي أعطتها السلطة الفلسطينية حينها للكيان الصهيوني الذي باع لهم الوهم في أوسلو, باعت السلطة الفلسطينية الثوابت ببعض السيارات الفارهة, والقصور والفيلات ولا عزاء للنضال القديم. - وهل تظن يا دكتور أن حماس قد نجحت بعد دخولها العملية السياسية؟؟ حماس نجحت ولكن بثمن باهظ جدا, لقد نجحت على رغم من حصار غزة, وعلى رغم ما يتقوله البعض عليها أنها أثارت فتنة على الأراضي الفلسطينية بما فعلته في غزة, وما فعلته حماس في غزة كان إعادة للنصاب والأمن, وحماية المقاومة, وتقليم لأظافر دحلان المسئول مسئولية مباشرة عن استشهاد أحمد ياسين, والرنتيسي. الأمن الوقائي اليوم في الضفة يعتقل الشباب المقاوم, ويحافظ على أمن إسرائيل منتظرا في ذلك الرواتب الشهرية التي تأتيه من أمريكا والغرب. - قضية الجولان أخذت حيزا كبيرا عند كلامك عنها في كتابك "الطريق إلي بيت المقدس" وهي كما يبدو من كلامك قضية لا تعني النظام الحاكم في سوريا، فإلى متي يظل وضعها هكذا؟ الجولان والضفة الغربية كلتا القضيتين سارا بنفس المسار, الأردن تنازلت عن الضفة الغربية، والنظام السوري سلم الجولان قبل حتى أن تسقط في حرب يونيو عام 67, وكما قلت الحل في التعويل على المقاومة الخارجة من رحم الشعوب, لا الأنظمة التي تخاف على الكراسي والعروش.. - بالإنتقال للملف اللبناني, برأيك دكتور المشروع الصهيوأمريكي لم يستطع كسر لبنان عسكريا, هل سيستطيع كسرها سياسيا, بالرجوع بها لمربع الطائفية؟ ما حدث وما يحدث للبنان الآن من تمزيق ووضع الدولة اللبنانية تحت مجموعات مستقطبة مارونية ودرزية وسنية وشيعية، ويصل الوضع لدرجة أن تصبح الدولة اللبنانية بلا رئيس هو استكمال لمخطط تقسيم المنطقة إلى دويلات وكانتونات, مخطط فعلوه في الصومال والعراق ولبنان ويودون فعله في اليمن حيث تخرج دولة حوثية عن الدولة المركزية في صنعاء وإرهاصاتها تحدث الآن في الصراع الدائر حاليا في اليمن بين الجيش اليمني وأتباع الحوثي, وتقسيم مصر لثلاث دويلات مسلمة في الشمال، ومسيحية في الجنوب, ونوبية في أقصي جنوب مصر, ودعم مؤتمرات أقباط المهجر غير خاف على العيان... - برأيك يا دكتور لماذا دائما الثورات في الدول العربية والإسلامية قادتها غالبا هم الإسلاميون, فإذا ما نجحت صاروا بعدها نزلاء السجون والمعتقلات؟ الاسلاميون لم يعوا عبر تاريخهم النضالي كم المخططات الأجنبية التي حيكت من قبل المستعمر قبل خروجه من البلد العربية أو الإسلامية, دائما حركات المقاومة لها خطة اليوم وليس لديها خطة للغد, ولم ينتبهوا للطابور الخامس الذي صنعته المخابرات الأجنبيه ليسرق منهم الثورة وليصبحوا بعدها كما قلت نزلاء للمعتقلات والسجون, والنعيم الذي يعيشه اليوم المترفون من فتح في المنتجعات والقصور هو نعيم نالوه على حساب جماجم شهداء الانتفاضة الأولى 87، والانتفاضة الثانية 2000. - ما يحدث من صراعات في القرن الإفريقي هل للمشروع الصهيوأمريكي دور فيه؟ منذ زمن بعيد وخصوصا بعد حربي 5يونيو و أكتوبر 73 أدركت إسرائيل والولايات المتحدة أنه لابد أن يوجد لهما يد ووجود جيد داخل منطقة القرن الإفريقي, الولايات المتحدة بالقواعد والكيان الصهيوني بالنفوذ المباشر وغير المباشر لعدة أسباب من أهمها السيطرة على منطقة حيوية يمر البترول من خلالها, والقضاء على مناطق قد تتحكم فيها تنظيمات إسلامية, والوجود كشوكة خلف مناطق الدول العربية. - فضيلة الدكتور برأيك ما الحل للملمة هذا التشرذم العربي الآن؟ الحل لرأب صدع الأمة يكمن في إيقاظ وعي الأمة عن طريق علمائها ومفكريها, وحدة الصف" ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات", "ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم", العودة إلى الله, ومصالحة بين أبناء الأمة بتغليب مصالح الوطن العربي والإسلامي على المصالح الشخصية والفئوية, ومعرفة أن الحرب الدائرة الآن أساسها حرب ضد الإسلام واجتثاثه من المنطقة, حرب في المجال الإعلامي والفكري لإفساد عقل الأمة وضربها في رموزها, فضلا عن إفساد التعليم لقتل الجيل الجديد, وتجفيف قدرات الأمة بالاستيلاء على مصادر النفط وشلها اقتصاديا باتفاقات هزيلة, وغزو عسكري يقضي على الأخضر واليابس. | ||||||